أبي منصور الماتريدي
372
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم « 1 » اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا انقطاع لها ، كان على ما ذكر . ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها ، وإذا ذكرت الآخرة على أثر ذكر الإنسان قيل : أمامه ؛ لأن الإنسان يقبل إليها ؛ فيكون ذلك أمامه وقدامه ؛ وأما عند ذكر « 2 » الدنيا قيل : وراءها ؛ لأنها تخلفها ، وكل من خلف آخر يكون بعده ووراءه ؛ لأنه يكون عند فوت الآخر ؛ لذلك كان ما ذكر . وقوله - عزّ وجل - : نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ : رجع إلى الاحتجاج عليهم لما أنكروا ، يقول : يعلمون أنا خلقناهم بدءا ، ونحن شددنا أسرهم ، أي : قوتهم . أو « 3 » نحن : شددنا خلقتهم ، ونحن وصلنا جوارحهم المتفرقة ومفاصلهم المتشتتة بعضها إلى بعض ، ونحن نبدل أمثالهم إن شئنا ، فما بالهم ينكرون قدرتنا على البعث والإعادة بعد الموت ؟ ! يقول : من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء ، وهو على البعث أقدر . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا : يذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ، يحتمل هذِهِ ، أي : هذه السورة ؛ لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم ، وآخرها إعادتهم ، وفي خلال [ ذلك ] جزاء صنيعهم الذي صنعوا ؛ فيكون في ذلك تذكرة لهم . ويحتمل قوله : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ، أي : الأنباء التي ذكرت في القرآن ، أو هذه المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم ، أو تذكرة لما لله عليهم ، وما لبعضهم على بعض . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا : هذا يخرج على وجهين : أحدهما : يقول : قد مكن كلا أن يتخذ سبيلا إلى ربه ، أي : لا شيء يمنعه [ عن اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء ، لكن من لم يتخذ إنما لا يتخذ ؛ لأنه لم يشأ ] « 4 » أن يتخذ سبيلا ؛ وإلا قد مكن له ذلك .
--> ( 1 ) في ب : النعيم . ( 2 ) في أ : ركن . ( 3 ) في أ : أي . ( 4 ) سقط في ب .